حسن الأمين
280
مستدركات أعيان الشيعة
حادة تنتهي بطرفين معكوفين يوضعان في نقرتي ( المحدلة ) فيشدانها من طرفيها بحيث تتماسك في ( الماعوص ) فيجرها الرجل أو المرأة أحيانا أو يدفعها أمامه فتنجر أو تندفع بثقلها على التراب وقد بلله المطر مما يساعد على سد الثقوب وتفادي الدلف . . . وساعات ( الحديلة ) ساعات طريفة جدا ، إذ يصعد على كل سطح من سطوح القرية إنسان ، فتغدو الأسطحة كغابة متحركة من الناس ، ثم يتعالى من دوران الحادلين ( بالمواعيص ) صرير يسمع من الطريق ، فلا ترى العينان سوى شخوص تتحرك مسرعة ، ولا تسمع الأذنان سوى صرير ورنين . فإذا توالى المطر وعاد الطل وابلا مغرقا تراكض الناس هابطين من الأسطحة إلى داخل المنازل . ولكن هل تغني ( الحديلة ) فتمنع تساقط الدلف ؟ . . إنها في الكثير من الأحيان لا تغني كل الغناء ، فيكون لا بد من تساقط الدلف ، ولكن بنسب مختلفة بحسب العناية بالأسطحة وقلة العناية بها ، وقصة الدلف هي الأخرى قصة طريفة : فعند ما تسقط النقطة الأولى يسرع أهل البيت فيضعون تحتها إناء ، ثم تتابع النقاط المتساقطة ويتتابع وضع الأواني ، وتبعا لذلك تضيق الرقعة السليمة فيبدأ السكان بالانكماش والتجمع فيما لا يزال سليما . وقد يعم الدلف فينطوي الناس على أنفسهم في الزوايا . ويصبح لتساقط الدلف على الأواني التي تمتلئ ثم تفرغ ثم تمتلئ ، يصبح تساقط الدلف عليها مصدرا لأصوات رتيبة متتابعة متكاثفة كأنها نغم واحد . . ولما كان كل شيء في جبل عامل محركا لقرائح الشعراء ، فقد كان للدلف أثره في الشعر العاملي فمما قال فيه شاعر من شقرا : الدلف قد أودى بنا وقعه يا رب خلصنا من الدلف وسقف بيتي لم يزل واكفا فهو يباري السحب بالوكف كأنما تنور نوح غدا يفور بالماء من السقف وكلما قلت كفى ما جرى منك علينا قال لا يكفي كأنما الغيث إذا ما همى يتلو عليه وقعة ( الطف ) كأنه وهو بلا صبوة صب بكى من فرقة الألف قد ملأ البيت جميعا ولم يقنع بثلث لا ولا نصف وصرت أحتاج إلى زورق يسوقه الملاح للجرف منهمر تنقر قطراته في الأرض كالنقر على الدف من عن يميني وشمالي ومن فوقي وقدامي ومن خلفي وكلما السقف بكى أصبحت ترقص بين اللهو والقصف تحسبها أصوات من سبحوا في عدد يربو على الألف وكلما قلت انتهى وكفها وانقشعت زادت على الضعف لست وإن أطنبت في وصفها أبلغ منها منتهى الوصف ما زلت مما نابني حائرا أصفق بالكف على الكف وبت ليلي قلقا ساهرا لا أغمض العين ولا أغفي ولقد انتهى الدلف وقصص الدلف ومشاكل الدلف ، وزالت الأسطحة الترابية ، وحلت محلها أسطحة ( الاسمنت ) ، وانقضى عهد المحادل . . . ليالي الشتاء ليالي ( العيانة ) في الشتاء تحبس الناس في بيوتهم ملتصقين ( بالدواخين ) ، ( والداخون ) هو موقد النار الذي يصطلي به الناس في القر ، دافعين البرد عن أنفسهم بما يؤججون فيه من نيران ، وما يوقدون من حطب . والداخون يقام دائما في زاوية الغرفة ، حيث يمتد كعلبة مثلثة الجوانب تبدأ من علو حول المتر عن الأرض مرتفعة حتى سقف الغرفة حيث يكون السقف مثقوبا بمقدار سعة الداخون فيندفع الدخان من الثقب الكبير متعاليا في الجو . وما دام ( الداخون ) محصورا في الزاوية فحرارته لا تمتد إلى كل جوانب الغرفة ، بل لا تكاد تشمل إلا جوانب الزاوية وكل ما تفعله في سعة الغرفة أن تمتص القليل القليل من البرودة المتعاظمة ، لذلك تكون السهرة هي في الجلوس حول ( الداخون ) على شكل قوس ينحني حتى يلاصق طرفاه جانبي الزاوية وبذلك يصطلي الجميع بالتقرب من النار المضطرمة . أما من يفوز بالجلوس على أحد جانبي الزاوية تماما ( في القرنة ) فهو الفائز الأكبر في تلك السهرات الشتائية الباردة ، إذ يكون حظه عدا الاصطلاء هو أن يجلس مستندا إلى الجدار ولا يفوز بهذا المغنم إلا اثنان يشكلان نهاية القوس البشري . فإذا كانت السهرة عائلية بحتة ، فالجنبان لرب البيت ولربته وحدهما ، وإذا غابا عن السهرة أو غاب أحدهما ، إما لوجوده في غرفة أخرى أو في منزل مجاور ، تسابق الآخرون على الفوز ( بالقرنة ) ، ومن سبق لا يغادرها إلا أن يبلغ اضطراره حدا لا يقاوم . وحول ( الداخون ) تقص الأقاصيص على الأطفال أو تتنوع الأحاديث ، وتتبادل الآراء . . . وإذا كان رواد الغرفة أكثر من أن يتسع لهم قوس ( الداخون ) يكون لا بد من وضع ( منقل ) وسط الغرفة تنتقل إليه بعض ( الأحطاب ) التي تكون بدأت تشتعل في ( الداخون ) وهذا النقل يلازمه تعالى الدخان في الغرفة تعاليا طاغيا ، وعند ما تبدأ الدموع تتساقط من العيون بفعل الدخان يردد الجالسون المثل القروي العاملي ( دخان يعمي ولا برد يضني ) . . . على أنه قد يستعمل الفحم أحيانا وسط الغرفة ، ويكون هذا في البيوت الميسورة . . . أما وقود ( الداخون ) فهو نوعان : إما خشب الزيتون اليابس الذي لم يعد يصلح للحياة فيقطع ويدخر للشتاء ، وهذا أفضل أنواع الحطب . وإما الحطب المستورد من بقايا الأحراش . وكانت هذه كلها خارج شقرا . إذ أن أحراش شقرا قد أبيدت ولم ندرك نحن منها شيئا ، وكان الشيوخ يتحدثون عن بقاياها التي أدركوها . وأقرب مكان كان يقصد للحطب من شقرا هو حرش قرية حولا الممتد في وادي السلوقي شمالا وجنوبا أو في وادي الإصطبل شرقا . وحرش وادي الإصطبل هو الحرش الذي مر فيه ابن جبير ووصفه وصفا جميلا .